ابن عجيبة

544

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : « لما » : حرف وجود لوجود ، تفتقر للشرط والجواب . فشرطها : « ذهب » ، وجوابها : محذوف ، أي : جعل يجادلنا . والتأوه : التفجع والتأسف ، ومنه قول الشاعر . إذا ما قمت أرحلها بليل * تأوّه آهة الرجل الحزين « 1 » يقول الحق جل جلاله : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ ، وهو ما أوجس في نفسه من الخيفة ، وَجاءَتْهُ الْبُشْرى بدل الروع ، جعل يُجادِلُنا أي : يخاصم رسلنا فِي شأن قَوْمِ لُوطٍ ، ويدافع عنهم ، قال : إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها « 2 » ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ ، غير عجول من الانتقام إلى من أساء إليه ، أَوَّاهٌ ؛ كثير التأوه والتأسف على الناس ، مُنِيبٌ ؛ راجع إلى اللّه . والمقصود من ذلك : بيان الحامل له على المجادلة ، وهي : رقة قلبه وفرط ترحمه . قال تعالى على لسان الملائكة : يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ، الجدال ؛ إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ بهلاكهم ، ونفذ قضاؤه الأزلي فيهم ، ولا مرد لما قضى ، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ؛ غير مصروف بجدال ولا دعاء ، ولا غير ذلك . الإشارة : قال الورتجبي : قوله تعالى : ( إن إبراهيم لحليم أواه ) ؛ حليم بأنه كان لا يدعو على قومه ، بل قال : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 3 » . وتأوه زفرة قلبه من الشوق إلى جمال ربه ، هكذا وصف العاشقين . ثم قال : ومجادلته كمال الانبساط ، ولم يكن جهلا ، ولكن كان مشفقا ، بارا كريما ، رأى مكانة نفسه في محل الخلة والاصطفائية القديمة ، وهو تعالى يحب غضب العارفين ، وتغير المحبين ، ومجادلة الصديقين ، وانبساط العاشقين حتى يحثهم على ذلك . وفي الحديث المروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لما أسرى بي رأيت رجلا في الحضرة يتذمر ، فقلت لجبريل : من هذا ؟ فقال : أخوك موسى يتذمّر على ربّه - أي : يجترىء عليه انبساطا - فقلت : وهل يليق له ذلك ؟ فقال : يعرفه ؛ فيتحمل عنه » . ثم قال : ولا يجوز الانبساط إلا لمن كان على وصفهم . ه . قال في الصحاح : يتذمّر على فلان : إذا تنكّر له وأوعده . قاله المحشى . والحاصل أن إبراهيم عليه السّلام حملته الشفقة والرحمة ، حتى صدر ، منه ما صدر مع خلته واصطفائيته ، فالشفقة والرحمة من شأن الصالحين والعارفين المقربين ، غير أن العارفين باللّه مع مراد مولاهم ، يشفقون على عباد اللّه ، مالم يتعين مراد اللّه ، فاللّه أرحم بعباده من غيره . ولذلك قال لخليله ، لما تعين قضاؤه : يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا .

--> ( 1 ) عزاه القرطبي في تفسيره إلى المثقّب العبدي . ( 2 ) من الآية : 32 من سورة العنكبوت . ( 3 ) من الآية : 36 من سورة إبراهيم .